مقالات الكتاب

ابن قرقنة والعجوز

فتحي الجبال ابن جزيرة قرقنة التونسية على مشارف عامه الخمسين، قاد خمسة فرق سعودية، نجح مع اثنين منها في الصعود إلى الدوري الممتاز، عاشق للبحر وعشاق البحر يتصفون غالبا بالإقدام والمغامرة، يمضي الآن عامه الخامس مع الفتح وهي حالة نادرة في محيطنا العربي كله، لم يكن لاعبا مميزا في صفوف الصفاقسي التونسي، على عكس مسيرته الدراسية التي أنهى كل مراحلها بتفوق كبير في تخصص الرياضة وتفرعاتها، وتقدم إلى التدريب واثقا.

يحدثني عنه لاعب في نجران عندما كان يشرف على الفريق وقاده للممتاز، قائلا: الكابتن فتحي نشعر بروحه معنا وسط الميدان، إنه طبيب نفسي ومدرب بارع، إذا رأينا حماسه على مقاعد البدلاء نخجل من أنفسنا، ويستفزنا فنقدم أفضل ما لدينا.

الجبال مدرب طموح ونادر، يعشق التحدي، وعشق التحدي يفجر الإبداع، وجزء من الإبداع التغلب على المصاعب التي تعترض الطريق، لم أسمع يوما التونسي الشجاع يقلل من الإمكانات المتاحة في الفرق التي دربها، ولم أسمعه يشكي الحال ويعلق الخسائر على ضعف ذات اليد، لم يتخل عن الإقدام والمغامرة، حتى تشربها لاعبوه فأصبحت الفرق التي يقودها عنوان التحدي؛ والفتح خير مثال، والصورة شاخصة لكل ذي لب.

خسر من الهلال بالثلاثة تحت قيادة جيرتس، فقال: جيرتس محسود على وفرة النجوم في فريقه، لكننا سنلتقيه مرة أخرى ولن نفكر إلا في الفوز.

لو كنت اليوم مكان فتحي الجبال، لقلت للاعبي فريقي: العبوا كرة قدم كما تحبون مشاهدتها، استمتعوا بالكرة وأشبعوا نهمكم منها وستصلون إلى الغاية والهدف، العبوا الكرة التي تحبونها وانسوا كل ما سواها، انسوا أنكم في الرياض أمام أسد جريح، وجماهير عطشى، وتذكروا أنكم تستطيعون أن تقولوا لكل من في الملعب: لا.

اليوم الفتح على أعتاب مجد نادر، بإمكانهم أن يخلدوا أسماءهم وفريقهم في التاريخ، كما فعل التعاون في عام 1990، وأن يلفتوا النظر إلى إقليم الأحساء وما تنبته أرضهم البكر من مواهب استفادت منها أغلبية الأندية، والفرصة سانحة أن يسقي الماء غرسه ويرعى نبته، ولا تذهب ثماره للآخرين.

ومع اختلاف التاريخ، إلا أن حال النصر تبدو شبيهة بحال الفتح، فجيل سعود حمود الحالي يستطيع أن ينتهز الفرصة، ويعبر إلى النهائي، إذا تخلى عن شعاره ”ما لجرح بميت إيلام”، الذي كان سمة غالبة لجيل سعد الحارثي ورفاقه، وذاك جيل لم يترك ألما لم يرضخ له، ولا هزيمة لم يذقها، ولا طرفة لم تحك عنه تندرا وسخرية.

النصر الحالي غير بعيد عن أصفر الماضي القريب، لكنه يعوض الفقد بالروح والعزيمة، والإيمان بالقدرة على العودة لنصر سالف الأزمان، حين كان يفعل ويترك للباقين الحديث، وليس ذلك على الله ببعيد.

ولو كنت مكان العجوز ماتورانا – وأحمد الله أني لست كذلك – لجمعت لاعبيَّ في حلقة دائرية وألقيت شعار الأصفر وسطهم، وقلت: هذا هو شعار فريقكم الذي تحبونه وتنتمون له، ملقى على الأرض منذ سنوات، إذا كنتم تريدون كرامته فارفعوه عن الأرض وأعيدوه خفاقا، وليس بينكم وذلك إلا الفوز على الفتح، فالشعار مُترب، والأحسائيون أمامكم، فما أنتم فاعلون!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى