مقالات الكتاب

استرجل..

وأنا أتابع النصر والهلال البارحة الأولى، سألت نفسي مع كل حدث في المباراة، ماذا يفعل الأمير وليد بن بدر الآن، وما ردة فعله أمام كل موقف لصالح فريقه أو ضده.

لا أشك أن الأمير اللطيف المبتسم دائما، وضع نفسه في موقف محرج قبل المباراة بتصريحه الشهير عن الرحيل ما لم يفز الفريق في المباريات المقبلة، ووضع فريقه تحت ضغط كبير، ووضع نفسه واسمه على ممر التقاذف والجدل الجماهيري، إن لم يرحل فقد ثقة الأنصار، إن رحل، ترك الفريق وهو في أمس حاجة لعاقل، إن رحل وعاد، صارت لعبة (ماصلة) وما لها طعم.

ولأني قرأت مرة أن القادة لا يذهبون في تصاريحهم إلى طرق باتجاه واحد فقط، بل يتركون الأبواب كلها مواربة، ولا يتركون الخصوم يتنبأون بعددهم وعتادهم، بل يحتفظون بشيء من المفاجأة، لكل هذا، ولأن الوليد في النصر قائد، لا أعرف لماذا وضع نفسه في هذا المأزق المحرج، فلا الفوز على الهلال لو حدث سينصبه بطلا، ولا الخسارة ستسلبه عملا جميلا قدمه إن وجد، ولا الرحيل سيجعل منه شهيدا، ولن يسير النصراويون في مظاهرات فيما لو أصر على الرحيل بعد الخسارة. الوليد سيبقى هو الوليد في عيون النصراويين، لا يتغير ولا يتبدل كالأصابع في راحة اليد.

البارحة الأولى وبعد مضي ربع ساعة من المباراة، تأكدت من فوز الهلال فأفسد عليَّ يقيني متعة انتظار آت، وانشغلت بخيالي أكثر من أحداث النزال، تلبستني شخصية الوليد بن بدر مع كل مُهم في المواجهة، عندما ارتدت الكرة من يد العنزي خارج الثمانية عشرة، تخيلته يلتفت إلى مجاوره ويقول وهو يمد شفته السفلى ويهز كتفيه: قوس الـ 18 من الصندوق ويتنفس بعمق ثم يهمس في دواخله: عدّت وينظر إلى الحكم المساعد ويبتسم ابتسامة رضا كبيرة. قبل اللحظة التي رفع المساعد رايته على الكوري بيو، تخيلت المشرف العام على كرة النصر يقف من مقعده ثم يعود إليه ويقول: ليس بعد.

في الشوط الثاني، بدأ فريقه ينشط، فترة قصيرة، والوقت يمضي، والتعادل جيد لا شك، ويحفظ ماء الوجه، لكن الأزرق استفاق، بدأ يزأر ويحاصر الصُفر، شاهدت الوليد في خيالي يقف ويصيح بحماس: استرجل.. استرجل.. على غرار الإعلان التجاري الشهير.

لحظة همّ الجريء الواثق نواف العابد في الدخول، شعرت بالمشرف العام، يصفق كفا بكف، ويتمتم: هذا ليس وقتك الآن، لم يتبق شيء.

في اللحظة التي عادت رأسية الحارثي الجميلة من القائم، تخيلت كحة متواصلة أصابت الأمير لم تنقطع، حتى ضرب صاروخ العابد مرمى فريقه، فتحولت الكحة إلى شهقة طويلة، وعلامات استفهام كبيرة تحاصر الرجل، وأصوات مجهولة تنادي، بعضها يضحك، يقهقه، وأخرى باهتة، ووجوه بعيون طولية، وأخرى بأنوف دائرية، وثالثة بأسنان كأنياب القطط، كلها تقول بأرتام مختلفة: ماذا ستفعل الآن؟ ماذا ستفعل الآن، هل ستصرح بعد المباراة؟ هل تغادر الآن؟ ماذا سيقولون لو غادرت؟ ماذا ستفعل يا وليد، ماذا ستفعل؟ أقالوك يا وليد.. أقالوك؟ ولم يسترجل منهم أحد، ولا (تغزي) بهم مرة أخرى، ولا تتهور مرة ثانية فأنت أمام الهلال العظيم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق