مقالات الكتاب

المعتزلون

مسيرة أي لاعب في السعودية تمر بطريقين بعد الاعتزال، إذا ما أراد الاستمرار في الوسط الرياضي، إما أن يتجه إلى التدريب، أو إلى الإدارة الرياضية.

في الأولى، يتلقى بعض الدورات التدريبية، ثم يتولى تدريب فرق من الناشئين أو الشباب فترة من الزمن وإن ساعده الحظ أصبح عضوا في جهاز فريق كرة القدم الأول، وإن كبر الحظ أكثر تولى مهام المدرب الأول بصفة مؤقتة، يستمر هكذا لسنوات، قبل أن يقتنع بأن الزمن يجري وهو في مكانه لا يتحرك، ويأتيه الإنقاذ من قناة فضائية فيتحول إلى مدرب على الورق يقول ما يريد ولا حسيب ولا رقيب، ولا خسارة قد تلغي العقد ولا فوز يسجل باسمه إنجازا، فيرتضي الرجل بما كُتب له، مدرب كرة قدم مع إيقاف التنفيذ.

أزعم أن وصف المسار أعلاه ينطبق على أغلب مدربينا السعوديين، الاستثناء لخالد القروني صاحب السجل المتفرد بينهم، والاختصاصي في علم اللياقة عبد اللطيف الحسيني وقلة آخرون، أما البقية فهم مدربون على شاشات التلفزيون فقط.

وحتى لا أكون مجحفا وظالما، فاللوم هنا يتقاسمه المدربون أنفسهم وإدارات الأندية والاتحاد السعودي لكرة القدم، والأخير بشَّرَ قبل عامين بقصر تدريب الفرق الأولمبية في كأس فيصل على الوطنيين، ويبدو أنه نسي قراره فلم يلتفت إليه أحد من الأندية، ويبدو أن المقام في الاستديوهات التلفزيونية طاب للوطنيين، فلم يسأل أحد منهم لماذا لم ينفذ، ويبدو أن الإعلاميين أيضا فاقدو الثقة في المدرب الوطني، فلم يسأل إلا قلة منهم لماذا اختفى هذا القرار يا اتحاد كرتنا الموقر؟

الاتجاه الثاني للمعتزلين الأكارم هو الدخول في الإدارة الرياضية، وهذه أسهل من تلك، والطريق إليها أيسر، لا تحتاج إلى دورات تدريبية، ولن تقضي وقتا في قطاعات الشباب والناشئين، كل ما تحتاج إليه أن تكون نجما سابقا ويمكن الاستثناء عن هذا الشرط في أحايين كثيرة وفقا لقوة بقية المواصفات المتوافرة، الأهم أن ترتبط بعلاقات وثيقة مع الرئيس أو الشرفي المؤثر الذي يصرف على النادي، تستبدل الزي الرياضي بالثوب، تحضر إلى التمارين كل يوم، تشارك فيها أحيانا لتذكر بأنك لاعب سابق، وتُحمل أوراق الحضور والغياب خلفك مع أحد مساعديك، وعليك أن تكون قريبا من أماكن تحركات المدرب وجلوسه، فالكاميرات هناك أكثر، يستحسن أن تكون عابسا يبدو على ملامحك الاستغراق في التفكير من كثرة العمل، وهمّ المسؤوليات، والتضحيات التي تقدمها، ولا مانع من أن تصرح بعد المباريات شرط أن تتأكد من أن ذلك لا يثير غيرة الرئيس.

في إحدى المرات، سألت صديقي العزيز رئيس النادي، لماذا اخترته مديرا لكرة القدم؟ لم يستغرق وقتا في التفكير: نجم جماهيري سابق ولديه خبرة. سألته: خبرته في الملعب وليست في الإدارة الرياضية؟ أجاب: يا رجال كله واحد، وبعدين مدير الكرة ماذا سيفعل أصلا.

كل ما يحتفظ به اللاعبون المعتزلون هو حب الجماهير، وخبرة ميدانية في الملعب وليست خارجه، شبيهة بخبرة المسافر في الطائرات وهي التي لا يمكن أن يتحول بها إلى قائد طائرة رغم سفراته المتعددة، وفي ظني أيضا أنها خبرة مقيدة أكثر منها دافعة، لأن صاحبها يبقى أسير تجارب لا تعتمد على العلم والقياس والنظرية.

الإدارة الرياضية علم، ومنهج، يتفرع عن علم الإدارة الشامل، جميل أن يتعلمه اللاعبون المعتزلون وفق دورات وبرامج تأهيلية، بدل أن يستمر أغلبهم في المساهمة في إفساد الذائقة العامة بإطلاق نظريات وعبارات ركيكة عبر الإعلام يحشو بها أدمغة آخرين لا يقلون عنه جهلا وخبرة في التشجيع الرياضي.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى