مقالات الكتاب

لماذا نجح الإسبان ؟

لا أعتقد أنني سأتمكن من الإجابة بشمولية عن تفاصيل هذا السؤال المهم في مقال واحد، فما قدّمه المنتخب الإسباني الفائز بلقب “يورو 2012” للمرة الثانية على التوالي يتجاوز حدود المتعة الكروية والارتقاء بالذائقة الرياضية التي أفسدتها منافساتنا واحترافيتنا الهشة إلى أن يكون بالفعل أنموذجا عالي الجودة يستحق التأمل والبحث والدراسة، ومن ثمَّ التطبيق على أرض الواقع، وهو الأهم لدى الأطراف المعنية بتطوير لعبة كرة القدم كالاتحادات الرياضية والأندية واللاعبين والمدربين والمستثمرين الرياضيين.

لن أختزل عوامل نجاح المنتخب الإسباني في جانب دون آخر، فالتفوق جاء نتاج منظومة هرمية متكاملة صرح المدرب ديل بوسكي بثلاثة من أبرزها بقوله: “نجاحنا ليس مصادفة، لكنه اعتمد على أسس كثيرة تتمثل في هيكل كرة القدم لدينا المتمثل في الأكاديميات، وأفضل المدربين، والأندية الإسبانية التي تكرس جهدها لتدريب اللاعبين الذين ينتقلون إلى فرق أجنبية وهم في سن صغيرة جداً، وبعد أن كنا نسافر في الماضي لإلقاء نظرة على الأكاديميات في فرنسا وروسيا وألمانيا أصبحت هذه الدول تأتي الآن لرؤية ما نفعله في إسبانيا”.

متلازمة النجاح الثلاثية السابقة ترتكز على الأكاديميات الفاعلة والمدرب الأفضل والأندية التي تنتج دورياً قوياً يتابعه مئات الملايين، وهي بالتأكيد نتاج النظرة الإسبانية العميقة والرؤية الشمولية التي تبعث مسجات تذكيرية ورسائل تنبيهية لجميع الاتحادات الرياضية، للتفكير بجدية في هذه النصائح العملية التي تقود حتماً إلى منصات التتويج.

أما أهم نقطة جوهرية في الإجابة عن العوامل الأساسية التي أدت إلى تفوق الإسبان فتكمن – برأيي – في الإستراتيجية الفنية المرسومة، وأعني بذلك الاستقرار التدريبي والثبات المنهجي، وهما عنصران مهمان في عالم كرة القدم نفتقدهما تماماً في كرتنا، فالمنتخبات الإسبانية السنية من مدرسة كروية واحدة، ومخرجاتها بالتأكيد تتحول إلى ديل بوسكي المعمل الكبير المستقر منذ 2008، وبعقد يمتد إلى 2014، وصاحب الخبرة والفكر الثري في كرة القدم العالمية منذ أن كان لاعباً ومدرباً في ريال مدريد الإسباني.

نتاج هذا الفكر الثري لا يزال المنتخب الإسباني يقطف ثمراته الذهبية بعد أن طبقه ديل بوسكي على أرض الواقع بكل احترافية وبعيداً عن النرجسية والطاؤوسية التي تصيب بعض المدربين، فعندما تسلم مهام المنتخب الإسباني 2008 خلفاً للمدرب الإسباني لويس أراغونيس التزم بالحكمة التي تقول إنه “لا يجب العبث بتركيبة رابحة”، فسار على المنهجية نفسها التي تطبق مبدأ الكرة الشاملة، مع بعض التغييرات التي لا يمكن أن تحدث خللاً كبيراً في منظومة العمل التراكمي الممنهج.

سأستطرد قليلاً في سياق تأكيد أهمية الاستقرار الفني والعمل التراكمي الممنهج إلى ما يحدث في كرتنا من خلل في هذا المحور المهم – مع الاعتذار الشديد عن هذه المقارنة – فنوعية المدربين الذين تستقطبهم أنديتنا ليست كما ينبغي، ولا تتناسب مع الطريقة التي ينتهجها كل فريق، الأمر الذي جعل الفرق تسرف بمبالغة كبيرة في استقطاب المدربين وإقالتهم، واللاعب لدينا يمر بعدة مدارس كروية مختلفة بدءاً بفريقه ومروراً بمنتخبات الفئات السنية ووصولاً إلى المنتخب الأول، والنادي مستعد لأن يفاوض 28 مدرباً في شهرين من جنسيات وطرق تدريبية مختلفة، كما حدث من الهلال الذي يملك إدارة محترفة! وهناك أندية على استعداد هي الأخرى لأن تستبدل نصف عناصرها كل موسم، كما يحدث مع النصر.. أرأيتم لماذا نجح الإسبان، وفشلنا مع فارق المقارنة؟

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى